الشيخ الطبرسي

67

تفسير مجمع البيان

فانتصابه من باب صنع الله ، لأن قوله : ( أفنضرب عنكم الذكر ) يدل على أن نصفح عنكم صفحا . وكأن قولهم : صفحت عنه أي أعرضت عنه ووليته صفحة العنق . فالمعنى : أفنضرب عنكم ذكر الانتقام منكم ، والعقوبة لكم ، لأن كنتم قوما مسرفين . وهذا يقرب من قوله : ( أيحسب الانسان أن يترك سدى ) . والكسر على أنه جزاء استغني عن جوابه بما تقدمه مثل : أنت ظالم إن فعلت كذا ، كأنه قال . إن كنتم مسرفين نضرب . اللغة : يقال . ضربت عنه ، وأضربت عنه أي : تركته وأمسكت عنه . ويقال : صفح عني بوجهه . قال كثير ، وذكر امرأة : صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ، فمن مل منها ذلك الوصل ملت ( 1 ) أي : معرضة بوجهها . والصفوح في صفات الله تعالى معناه : العفو عن الذنب ، كأنه أعرض عن مجازاته تفضلا ، يقال : صفح عن ذنبه إذا عفا . والإسراف : مجاوزة الحد في العصيان . المعنى : ( حم ) مر معناه ( والكتاب المبين ) أقسم بالقرآن المبين للحلال والحرام ، المبين ما يحتاج إليه الأنام من شرائع الاسلام ( إنا جعلناه ) أي أنزلناه ، عن السدي . وقيل : قلناه ، عن مجاهد ، ونظيره ( ويجعلون لله البنات ) أي يقولون . ( قرآنا عربيا ) أي بلسان العرب . والمعنى . جعلناه على طريقة العرب في مذاهبهم في الحروف ، والمفهوم ، ومع ذلك فإنه لا يتمكن أحد منهم من إنشاء مثله ، والابتداء بما يقاربه من علو طبقته في البلاغة والفصاحة ، إما لعدم علمهم بذلك ، أو لأنهم صرفوا عنه على الخلاف بين العلماء فيه . ( لعلكم تعقلون ) أي : لكي تعقلوا وتتفكروا فيه ، فتعلموا صدق من ظهر على يده . وفي هذه الآية دلالة على حدوث القرآن ، لأن المجعول هو المحدث بعينه . ( وإنه ) يعني القرآن ( في أم الكتاب ) أي : في اللوح المحفوظ ، وإنما سمي أما ، لأن سائر الكتب تنسخ منه . وقيل : لأن أصل كل شئ أمه . والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ ، كما قال : ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) عن الزجاج ،

--> ( 1 ) أي : كثيرة الصفح عن عشاقها ، فما تلقاك إلا بخيلة بالوصل ، وسريعة الملال . فمن أظهر من وصلها الملال ملت سريعا .